تكشف الكاتبة رحمة سامي في هذا التقرير جانبًا مسكوتًا عنه من واقع الرعاية الصحية للنساء في مصر، حيث تواجه كثيرات خلال الولادة ممارسات قاسية ومهينة تُعرف بـ"العنف التوليدي". وتروي نساء تجارب مؤلمة داخل غرف الولادة في مستشفيات حكومية وخاصة، شملت الإهمال والتعنيف اللفظي والتدخلات الطبية دون موافقة، ما خلّف آثارًا نفسية وجسدية امتدت لسنوات بعد الإنجاب.
ونشر موفع المنصة هذا التقرير الذي يستعرض شهادات لنساء وخبراء في مجال النساء والتوليد، ويسلط الضوء على الانتهاكات التي تتعرض لها الأمهات أثناء الولادة، والأسباب المؤسسية والثقافية التي تسمح باستمرار هذه الظاهرة داخل بعض المؤسسات الصحية المصرية.
معاناة النساء داخل غرف الولادة
اختارت رقية المراسي الولادة في مستشفى خاص أملاً في الحصول على رعاية أفضل، لكنها واجهت تجربة وصفتها بالكابوس. عانت من انقباضات استمرت يومين كاملين، ورغم آلامها المتواصلة رفض الطبيب السماح لها بالولادة في البداية. وعندما دخلت غرفة الولادة وجدت نفسها تصرخ طلبًا للمساعدة قبل أن تفقد الوعي، لتستيقظ لاحقًا على تدخلات طبية لم تحصل بشأنها على أي شرح أو موافقة مسبقة.
واجهت رقية كذلك شقًا جراحيًا أثناء الولادة وخياطة مؤلمة لم يخففها التخدير الموضعي بالشكل الكافي. ولم تختلف تجربة شيماء يوسف كثيرًا، إذ استمرت ولادتها الطبيعية يومين، ورفض الطبيب منحها مسكنات للألم رغم صرخاتها المتكررة. كما عانت من الإهمال وتأخر الرعاية الطبية وبقاءها لساعات طويلة في غرفة العمليات وسط آلام المخاض.
شعرت شيماء بأن الطاقم الطبي تعامل معها بلا اكتراث، بينما برر الأطباء والممرضون معاناتها بكونها تخوض تجربة الولادة الأولى. لكن ذلك لم يخفف من شعورها بأنها وقعت بين أيدي أشخاص لا يراعون آلام النساء أو حقوقهن.
وتصنف هذه الممارسات ضمن العنف التوليدي، وهو مصطلح يشير إلى الإهمال أو الإساءة اللفظية أو الجسدية التي تتعرض لها المرأة خلال الحمل والولادة والرعاية المرتبطة بهما.
ممارسات طبية قاسية وانتهاك للخصوصية
تؤكد الدراسات الدولية أن العنف التوليدي لا يقتصر على مصر، لكنه يظهر بأشكال متعددة حول العالم. وكشفت دراسة للأمم المتحدة عام 2019 تعرض نسبة كبيرة من النساء لسوء المعاملة أو التمييز أو التدخلات الطبية التي جرت دون موافقتهن أثناء الولادة.
كما أظهرت نتائج دراسة أجرتها منصة "شريكة ولكن" تعرض عدد كبير من النساء لفحوصات مهبلية دون الحصول على موافقة مسبقة أو شرح واضح لأسبابها. وفي بعض الحالات أجرى أكثر من شخص الفحص نفسه للمريضة الواحدة، ما أدى إلى انتهاكات واضحة للخصوصية والكرامة الإنسانية.
ويتخذ العنف التوليدي صورًا مختلفة تشمل التوبيخ والصراخ واللوم والإهانات اللفظية، إضافة إلى الضغط على البطن أو تقييد حركة المرأة أو تجاهل احتياجاتها الأساسية. وتسهم هذه الممارسات في تعميق الصدمة النفسية المرتبطة بالولادة، وتترك آثارًا طويلة الأمد على الصحة النفسية للأمهات.
وتروي الطبيبة أسماء محمود مشاهد صادمة شهدتها خلال فترة تدريبها في إحدى المستشفيات الجامعية، حيث خضعت بعض النساء لفحوصات وعروض تعليمية أمام أعداد كبيرة من الطلاب رغم اعتراضهن الواضح. وترى أن الرعاية الصحية المجانية كثيرًا ما تأتي على حساب كرامة النساء وخصوصيتهن.
نقص الموارد وثقافة الصمت يعمّقان الأزمة
توضح الدكتورة سارة سعد، استشارية النساء والتوليد، أن ظروف العمل الصعبة ونقص الموارد داخل بعض المستشفيات الحكومية والجامعية يسهمان في تفاقم المشكلة. فالاكتظاظ ونقص الكوادر والخبرة المحدودة لدى بعض الأطباء حديثي التخرج تدفع أحيانًا إلى اتخاذ قرارات متسرعة أو ممارسات غير مهنية خلال الولادة.
وترى سارة سعد أن نقص التدريب والخبرة يفسر جانبًا من هذه الانتهاكات، لكنه لا يبررها بأي حال. وتؤكد أن الطبيب يتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية المريضة ومنع أي إساءة قد تصدر عن أفراد الطاقم الطبي.
من جانبها، تشير انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إلى أن كثيرًا من النساء يلتزمن الصمت تجاه ما يتعرضن له داخل غرف الولادة، لأن المجتمع ينظر إلى هذه الممارسات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من تجربة الإنجاب. ويساعد ضعف الوعي بالحقوق الطبية على استمرار الانتهاكات ومنح بعض العاملين في القطاع الصحي مساحة أكبر لممارسة التجاوزات.
وتلفت السعيد إلى أن النساء الفقيرات والأقل تعليمًا يواجهن مخاطر أكبر للتعرض للعنف التوليدي، خصوصًا داخل الأقسام المجانية بالمستشفيات الحكومية والتعليمية، حيث تتداخل هشاشة الأوضاع الاجتماعية مع ضعف القدرة على الشكوى أو المطالبة بالحقوق.
وتدعو منظمات حقوقية وخبراء إلى سن تشريعات تجرّم العنف التوليدي بصورة واضحة، وتفعيل مواثيق أخلاقيات المهنة، وتدريب العاملين في القطاع الصحي على احترام حقوق النساء أثناء الولادة. كما يؤكد التقرير أن نشر الوعي بحقوق المريضات وتشجيعهن على تقديم الشكاوى يمثلان خطوة أساسية نحو الحد من هذه الانتهاكات وضمان ولادة أكثر أمانًا وكرامة للنساء في مصر.
https://manassa.news/en/stories/32556

